عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
530
اللباب في علوم الكتاب
يريد « فلينني » » ، وهذه الآية مثل قوله : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [ الزمر : 64 ] ، فإنه قرئت بالأوجه الثلاثة : الفكّ والإدغام والحذف ، ولكن في المتواتر . وهنا لم يقرأ في المشهور كما تقدّم إلا بالفكّ . ومحلّ هذه الجملة النصب بالقول قبلها . والضمير في « قل » يحتمل أن يكون للنبي - عليه السّلام - أو لكلّ من يصلح للخطاب ، والضمير المرفوع في : « أَ تُحَاجُّونَنا » لليهود والنصارى ، أو لمشركي العرب أو للكلّ . و « المحاجّة » مفاعلة من حجّه يحجّه . فصل في تحرير معنى المحاجّة اختلفوا في تلك المحاجة : فقيل : هي قولهم : إنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم ، والمعنى : أتجادلوننا في أن اللّه اصطفى رسوله من العرب لأمتكم ، وتقولون : لو أنزل اللّه على أحد لأنزل عليكم ، وترونكم أحق بالنبوة منا . وقيل : هي قولهم : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وقولهم : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] ، وقولهم : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [ البقرة : 135 ] قاله الحسن رضي اللّه عنه . وقيل : « أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ » أي : أتجادلوننا في دين اللّه . وقوله : « فِي اللَّهِ » لا بد من حذف مضاف أي : في شأن اللّه ، أو دين اللّه . قوله : « وَهُوَ رَبُّنا » مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال ، وكذا ما عطف عليه من قوله : « وَلَنا أَعْمالُنا » ولا بد من حذف مضاف أي : جزاء أعمالنا ، ولكم جزاء أعمالكم . فصل قوله : « وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ » فيه وجهان : الأول : أنه أعلم بتدبير خلقه ، وبمن يصلح للرسالة ، وبمن لا يصلح لها ، فلا تعترضوا على ربكم ، فإنّ العبد ليس له أن يعترض على ربه ، بل يجب عليه تفويض الأمر إليه . الثاني : أنه لا نسبة لكم إلى اللّه - تعالى - إلا بالعبودية وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم ، فلم ترجّحون أنفسكم علينا ، بل الترجيح من جانبنا ؛ لأنا مخلصون له في العبودية ، ولستم كذلك ، وهذا التأويل أقرب . قوله تعالى : « لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ » المراد منه النّصيحة في الدين ، كأنه تعالى قال لنبيه : قل لهم هذا القول على وجه الشّفقة والنصيحة ، أي : لا يرجع إليّ من أفعالكم